الأربعاء، 11 مايو، 2011

في أحشاء الأرض طاقة لا تنضب

الكرة الأرضية هي عبارة عن كُـتلة متوهّـجة ومعادن منصهِـرة

ما السر وراء الكميات الهائلة من الموجات الإشعاعية المُـنبعثة من باطن الأرض؟

وما سر سُـخونة الأرض؟

هذا هو موضوع المعرض العِـلمي التطبيقي المُـقام في قاعة "تروبين هاوس Tropenhaus" في مدينة فروتيغين (كانتون برن)، والذي يصطحب الزائر في رحلة تصورية تسبر أعماق جوف كوكبنا الأرضي.



تعلمنا في المناهج المدرسية بأن تاريخ كوكبنا يعود إلى نحو 13 مليار سنة، وتحديدا إلى الحدَث الكوني الذي يُعرَف بالانفجار العظيم، حين كانت الأرض كرة نارية متوهجة، تتكوّن من الغازات والغبار، ولقد استغرقت عدّة ملايين من السنين كي تبرد وتتصلب تدريجيا، حيث أخذ حجمها ينكمِـش كالتفاحة التي تذبل وبدأت قِـشرتها تقسو وتتجعّـد، مكونة القشرة الأرضية التي حطّت البشرية عليها رحالها.

ومن المعلوم، أننا كلَّـما ذهبنا إلى أعماق باطن الأرض، كلّـما وجدنا ارتفاعا في درجات الحرارة.  فعلى سبيل المثال، تبلغ درجة حرارة باطن الأرض 6900 درجة مِـئوية على عمق 6370 مترا.
ومن هنا، جاء معرض فروتيغين – الذي يستمر حتى نهاية أكتوبر 2011 – ليركِّـز على العلاقة بين درجة حرارة جوف الأرض والإشعاعات المُـنبعثة منها، والتي ترجِـع في جزء منها إلى مخلَّـفات الانفجار الذي حصل عند تشكّـل الكون، وفي جزء آخر هي نتاج لتحلّـل العناصر الطبيعية المشعة.



طاقة مستفيضة

 قال صامويل موزر، مدير قسم البحوث والتنمية لدى تروبين هاوس: "إنك لتدهش، حينما تعلم بأن تحتنا كميات هائلة من الحرارة المسالة والتي تكفي لإمدادنا بالطاقة لملايين السنين".

وليس من قبيل الصدفة أن يتِـم تنظيم هذا المعرض في فروتيغين، إذ لم يكن بإمكان "تروبين هاوس"، الذي معناه الحرفي بالعربية "البيت الاستوائي"، الاستمرار في الوجود لولا الطاقة الحرارية والطبيعة الاستوائية التي يستفيدها المكان من المياه الدافئة المتوفِّـرة في جوف الجبل عند نفق "لوتشبيرغ Lötschberg" التحت أرضي، الذي تمّ افتتاحه في عام 2007، إذ بفضل هذه المياه الجوفية الساخنة، تتم تهيئة الأجواء المناسبة للدفيئات الزراعية البلاستيكية المبنيّة داخل "البيت الاستوائي"، والتي ينمو بداخلها الموز والبابايا والأناناس، فضلا عن تهيئة الأجواء المناسبة لتربية سمك الحفش السيبيري وسمك الفرخ، ثم إن هذه المياه التي تتدفّـق عند المدخل الشمالي للنفق والتي تبلغ درجة حرارتها 20 درجة مئوية ويبلغ معدّل تدفقها 100 لتر في الثانية الواحدة، لا يمكن دمجها مع المياه المحلية، لأنها ستضر عندئذ – وبالتأكيد – بتكاثر أسماك السلمون النهري المُرَقّط.
ومن جانبه، قال صموئيل موزر: "دوما ما اعتبر الماء الساخن القادِم من الجبل، سِـمة من سمات تروبين هاوس، ولكنه لم يخطر ببال أحد أن يبحث عن سبب سخونته، إلا أن الكثير من السياح والزوار كانت تقودهم فضوليتهم للسؤال حول الموضوع، الأمر الذي قادنا إلى التفكير بعمل هذا المعرض".


"نواة الأرض أشد حرارة من سطح الشمس"



مفارقة

وأضاف موزر: "تعتبر بلدة فروتيغين رائدة بخصوص الطاقة المتجددة، إلا أن أوبرلاند برن (المرتفعات الريفية للعاصمة برن)، ليست المكان المِـثالي لإنشاء محطة للطاقة الحرارية الأرضية، وقد ساعد على ذلك قيام المهندسين بحفر نفق لوتشبيرغ على عُـمق ألفي متر تحت الأرض، ولولاه، لَـمَـا كانت منطقة أوبرلاند برن، مكانا مناسبا لإنشاء محطة للطاقة الحرارية الأرضية".

وأوضح بأن "شق الأنفاق يقتضي أن تتِـم أعمال الحفر بشكل أفُـقي، في حين أن المطلوب للحصول على سخونة مناسبة، أن يتم الحفر في العمق بشكل عمودي، وهو ما جعل تكلفة المشروع باهظة وزاد من مؤنة تحقيق قواعد السلامة".
واعتبر موزر أن "من المهِـم جدا، بالنسبة لمشاريع محطات الطاقة الحرارية الجوفية، قربها من المناطق المأهولة التي هي بحاجة إلى هذه الطاقة، وليس من المجدي أن يتِـم توليد كميات معتبَـرة من الطاقة في منطقة معزولة ثم نقلها مسافة كيلومترات عبْـر أنابيب مكلفة، ولذلك، توجَّـه تفكيرنا إلى البحث عن مناطق أكثر مُلاءمة، مثل سانت غالن وبازل".



صخور مشعّـة

ليس من اليسير على الناس فهْـم موضوع الطاقة الحرارية الأرضية، وكَـم من الناس – على سبيل المثال – مَـن يستطيع استيعاب خَـفايا الزلازل والبراكين، ورغم ذلك، نجح المعرض في تبسيط المعلومات وتقريبها لزواره، من خلال وسائل الإيضاح والجداول والرسوم البيانية والنماذج التشكيلية. وعلى سبيل المثال، استخدم المنظمون للمعرض نموذجا يصوّر الأرض على شكل تفاحة يظهر منه بأن أكبر عُـمق وصلت إليه أعمال الحفر حتى الآن، هو 12,2 كلم، وهو لا يعدو كونه مجرّد خدش في قشرة التفاحة.

وهناك أيضا جهاز "غايغر" لقياس النشاط الإشعاعي الطبيعي للصخور، هو من أكثر ما يثير إعجاب جماهير زوار المعرض، خاصة الشباب. وبدوره قال صامويل موزر: "يمكن للزائر أن يشاهد بأم عينيْـه كيف لحجر من كانتون فالي أن يُصدِر إشعاعات ألفا وبيتا وغاما، بمعنى أن له نشاطا إشعاعيا".



ظاهرة طبيعية

وجدير بالذكر، أن المعرض الذي يكرّس جهوده لفائدة النشاط الإشعاعي الطبيعي، ترعاه شركة تزويد الطاقة في كانتون برن، التي تُـدير محطة توليد الطاقة النووية في موهليبيرغ، والشركة الوطنية للتخلص من النفايات المشعة – ناغرا.

كما يأتي هذا المعرض، في الوقت الذي يدور فيه النقاش حول الطاقة النووية في سويسرا وحيث تستعد البلاد للتصويت على السياسة المستقبلية الرّامية إلى بناء محطات جديدة لتوليد الطاقة الكهربائية النووية، وهو أمر يُـثير التساؤل بشأن العلاقة بين الحدثيْـن؟ وبرأي صامويل موزر، أن المهِـم هو معالجة هذه المسألة بشكل موضوعي، ويقول: "دأب الناس على ربط الإشعاعات بمحطات الطاقة النووية، فتولدت في أذهانهم صورة سلبية عنها".
وباعتقاده أن عرض النشاط الإشعاعي على أنه ظاهرة طبيعية، هو أقرب للحقيقة وأن "دور محطات الطاقة النووية هو استقطاب هذه التفاعلات الطبيعية والاستفادة من الطاقة الناتجة عنها".

ـــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر : swissinfo

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق