السبت، 29 أكتوبر، 2011

تجربة جديدة لإثبات قدرة جسيمات صغيرة على تجاوز سرعة الضوء

تغيُّر الزمن

يعتزم العلماء الذين أعلنوا الشهر الماضي أن "النيوترينوات" (جسيمات دون ذرية أو أصغر من الذرة) قد "تتحرك بشكل أسرع من الضوء"، إذ يخططون لإعادة تجربتهم السابقة بأسلوب جديد وطريقة جديدة لحساب السرعة والزمن.
وستشكِّل نتائج التجربة المزمع إجراؤها ردَّا على الانتقادات التي تعرضت لها التجربة السابقة، كما ستسمح لعلماء الفيزياء بتدعيم تحليلهم قد الإمكان قبل نشر نتائجه بشكل رسمي.
وحول ذلك يقول الدكتور سيرجيو بيرتولوتشي، مدير البحوث في مركز سيرن في جنيف بسويسرا، إنه من الحيوية بمكان ألاَّ "نتغابى"، لاسيَّما إذا ما أخذنا بالحسبان الآثار المذهلة لنتيجة التجرية.
وهكذا إذا، فإن العلماء يعملون كل ما بوسعهم لاستبعاد أي تفسيرات ركيكة ومرتجلة، إذ كان علماء الفيزياء القائمين على "تجربة أوبيرا" قد أعلنوا التوصًّل إلى نتائج محيِّرة الشهر الماضي.

عجز عن التصديق

فقد حاول الباحثون في مركز أبحاث سيرن في جنيف بسويسرا (والذي يضم صادم الهدرون الكبير) ومركز غران ساسو في إيطاليا (ويقع على بعدى 732 كيلومترا من مركز سيرن) بجدية وعلمية شديدة التقصي والبحث في احتمالات ارتكابهم خطأ في تجاربهم تلك.
و قاموا على مدى ثلاثة أعوام بعدة آلاف من التجارب العلمية الدقيقة، لأنهم عجزوا عن تصديق ما توصَّلوا إليه بشأن .
فقد تبيَّن لهم أن هذه الجسيمات انتقلت بسرعة فاقت سرعة الضوء بجزء يسير من الثانية.
وبالنسبة للكثيرين، فإن التفسير الذي طمأن الباحثين أكثر من غيره هو أن "الخطأ المنهجي" الذي تكرَّر خلال التجارب السابقة قد استعصى حتى الآن على من يقومون بإجراء التجارب الآن.
فمنذ شهر سبتمبر/أيلول الماضي نُشر على موقع "أركايف بريبرنت" (arXiv pre-print server)،المختص بنشر مسودَّات البحوث الفيزيائية النظرية، أكثر من 80 ورقة بحث علمية حول نتيجة تجربة الشهر الماضي.

مشاكل وحلول

ويقترح معظم الباحثين في دراساتهم حلولا نظرية للنتيجة التي توصَّل إليها العلماء الشهر الماضي، وإن كان القليل منهم يدَّعي بأنه قد وجد مشاكل تُذكر.
وفي لقاء مع بي بي سي، قال الدكتور بيرتولوتشي: "لقد بدأنا خلال الأيام القليلة الماضية بإرسال تركيب زمني مختلف للشعاع إلى مركز غران ساسو".
وأضاف: "سيسمح هذا للقائمين على تجربة أوبيرا بإعادة القياس، وبالتالي بإزالة بعض الأخطاء المنهجية الممكنة".
وتنطلق النيوترينوات التي تصل إلى مركز غران ساسو من مركز سيرن على هيئة شعاع من جزيئات البروتون. وعلى الرغم من سلسلة التفاعلات المعقَّدة التي تطرأ عليها، فإن جزيئات البروتون تتولَّد من هذا الشعاع وتتدفَّق عبر قشرة الأرض لتصل إلى إيطاليا.

نبضات طويلة

لكن بعض علماء الفيزياء يقولون إن القيام بأي افتراضات خاطئة أثناء تركيب تلك المجموعات من البيانات قد يؤدي إلى نتيجة خاطئة.

نظام قياس جديد

مركز غران ساسو
حاول الباحثون في مركزي سيرن وغران ساسو جاهدين تقصي 
احتمال ارتكابهم خطأ في تجاربهم.
وقد تجري معالجة هذه المشكلة من خلال نظام جديد للقياس، والذي تُرسل وفقه البروتونات كسلسلة من النبضات القصيرة تدوم الواحدة منها مجرَّد نانوثانية واحدة أو اثنتين فقط، أي أقصر بآلاف المرات من المرات السابقة.
كما يجري ذلك بشكل متقطِّع، إذ يُترك فاصل زمني كبير نسبيا بين النبضة والأخرى، وذلك بحدود 500 نانوثانية.
وحول ذلك قال الدكتور بيرتولوتشي: "إن هذا النظام أكثر فعالية، إذ يمكنك بوساطته الربط، وبشكل لا لبس فيه، بين وصول كل نيوترينو إلى غران ساسو وبين انطلاق حزمة البروتونات من سيرن".
وقد رحَّب عالم الفيزياء مات ستراسلر بالتصميم الجديد للتجرية، وهو الذي كان قد أثار المخاوف بشأن الطرق التي كانت متبعة بالأصل.
فقد كتب البروفيسور ستراسلر، وهو أستاذ في جامعة راتجرز في نيوجيرسي بالولايات المتحدة، في مدوِّنته على الإنترنت قائلا: "إن الأمر أشبه ما يكون بإرسال سلسلة من النقرات المنخفضة والمنعزلة بدل إحداث انفجار طويل في بوق".

سرعة قصوى

وتُعتبر سرعة الضوء هي السرعة القصوى في الكون، والتي كان أوَّل من أشار إليها العالم جيمس كلارك ماكسويل، ومن ثم عالم الفيزياء الشهير ألبرت آينشتاين في نظريته النسبية.
ويعتمد الكثير من علم الفيزياء الحديثة على فكرة أن لا شيء يمكن أن ينتقل بسرعة أكبر من سرعة الضوء.
فسرعة الضوء هي السرعة التي أسَّس عليها آينشتاين نظريته النسبية، والتي لم يتمكن أي عالم أو تجربة علمية حتى الآن من دحض افتراضاته فيها حول سرعة الضوء.
ولكن، مع ذلك من المفيد أن يُعاد التفكير بالموضوع كاملا في حال صحَّت تجارب المعهد الأوروبي في سويسرا.
وقد قُوبل الإعلان عن نتائج تجربة الشهر الماضي بطلب من باقي العلماء في العالم بضرورة محاكاة واختبار وفحص تلك النتائج إلى أقصى درجة علمية ممكنة، وإنقاذ علم الفيزياء الذي نعرفه، حتى الآن على الأقل.

تحوُّط وتخوُّف

فقد قال جيم الخليلي، عالم الفيزياء في جامعة سري البريطانية: "إن العلماء محقُّون في تحوطهم وتخوفهم من عواقب تلك التجارب ونتائجها. إن أي خطأ بسيط في قياساتهم يمكن أن يكون السبب وراء هذه الضجة الكبيرة التي تحيط بالموضوع".
لكنه أضاف: "إذا ثبت أن تجارب مركز سيرن للأبحاث صحيحة، وأن الجزيئات كسرت حاجز سرعة الضوء، فسأفعل كل ما يُطلب مني، وعلنا".
وأردف بقوله: "لنقل إنك تريد الذهاب من لندن إلى سيدني، أو أنك تودُّ أن تطير حول العالم بخط منحنٍ. وهنالك ثمة طريقة أخرى هي الذهاب قطريا عبر قناة في عمق الكرة الأرضية، أي اختراق باطن الأرض. بشكل ما، يمكن أن تكون النيوترونات قد وجدت طريقا آخر مختصرا".
وهناك ثمَّة سبب وراء هذا الانفعال والإثارة التي أثارتها نتائج التجربة بين العلماء وغيرهم، وفي الوقت ذاته هناك موجة ليست بضعيفة من التشكك والوجوم.

أمر مثير

وإذا أردنا أن نكون واضحين، يجب أن نقول إنه سيكون أمرا مثيرا بالفعل وزمنا جديدا لعلم الفيزياء وأفقا جديدا ومليئا بالجديد وبالتحديات فيما لو ثبتت صحة النتائج التي تم التوصُّل إليها الشهر الماضي، وإن كانت لن تغير شيئا من حياتنا اليومية الاعتيادية.
علميا، يدرك العلماء أن النيوترونات تُعدُّ ظاهرة غريبة، بل ويُطلق عليها أحيانا "الجزيئات الشبحية"، وربما الأمر الأكثر إثارة فيها هو احتمال قدرتها على الانتقال عبر الزمن.
والأمر المعروف عن النظرية النسبية الخاصة هو مبدأ السببية، بمعنى أن هنالك أسبابا تنتج تأثيرات أينما كنت.
وعندما تزيل هذا المبدأ، يصبح الزمن شيئا مائعا، غير الزمن الذي نعرفه، السائر باتجاه واحد مستقيم لا يخطئ، دائما وأبدا.

الانبلاج العظيم


وفي حال سبق التأثير السببية، يعني أن زخَّات من "النيوترينوات" قد تصل إلى الأرض قبل أن تبدأ ظاهرة الانبلاج العظيم (السوبرنوفا) في الجانب الآخر من المجرَّة.
ألبرت آينشتاين
ما نريده هنا اذا هو العودة إلى المستقبل، والقدرة على تلاعبنا، نحن البشر، بالزمن.
لكن الأمر يزداد غرابة، إذ قد لا يكون آينشتاين مخطئا إذا ما سلَّمنا بأن هنالك أبعادا أخرى في الفضاء تستطيع الجزيئات اختراقها والوصول إليها، بل أن هنالك بعض النظريات العلمية التي تقول بافتراضات كهذه.
في حوار مع بي بي سي، قال براين كوكس، وهو عالم من مركز سرن: "تلك النظريات ليست من النظريات الرئيسية في علم الفيزياء، لكنها صحيحة.
ــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــــ
المصدر:bbc.arabic

ليست هناك تعليقات:

إرسال تعليق